الأخباربنوك وتأمينمجتمعمنوعات

«مخاطر التزييف» العميق “Deepfake” وتأثيرها على قطاع التأمين وآليات إدارتها

» كتب: حماده عواد 

في إطار التحول الرقمي المتسارع وتنامي الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، برزت مخاطر التزييف العميق (Deepfake) كأحد أخطر التحديات الرقمية الناشئة التي تهدد استقرار المعاملات المالية، ومصداقية البيانات، وثقة المتعاملين في المؤسسات. ولم تعد هذه المخاطر ذات طابع افتراضي أو مستقبلي، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يفرض تداعيات مباشرة على الأسواق والقطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع التأمين.

ويؤكد اتحاد شركات التأمين المصرية أن التزييف العميق يمثل خطرًا رقميًا مركبًا، تتداخل فيه الأبعاد السيبرانية والسمعية والقانونية، بما يتطلب نهجًا متكاملًا في إدارته، يجمع بين الحلول التقنية، والأطر التنظيمية، والتغطيات التأمينية المتخصصة.

مفهوم التزييف العميق وطبيعته كخطر تأميني

يشير التزييف العميق إلى استخدام تقنيات التعلم العميق في إنتاج محتوى مرئي أو صوتي أو نصي مزيف بدرجة عالية من الواقعية، تجعل التفرقة بين الحقيقي والمصطنع أمرًا بالغ الصعوبة. وتكمن خطورته في استغلال الثقة الفطرية بالمحتوى المرئي والمسموع، ما يجعله أداة فعالة في الاحتيال المالي، وانتحال الشخصيات، والتأثير على القرارات الاقتصادية.

ومن منظور تأميني، يُصنَّف التزييف العميق ضمن المخاطر الناشئة التي تتسم بسرعة التطور، وصعوبة الاكتشاف، وغياب البيانات التاريخية الكافية، الأمر الذي يزيد من تعقيد تقييمه وتسعيره، ويضع تحديات غير تقليدية أمام شركات التأمين.

القطاعات الأكثر تأثرًا والأثر الاقتصادي

يرى الاتحاد أن القطاعات المالية، والمؤسسات التجارية الكبرى، والشركات متعددة الجنسيات، تُعد من أكثر الكيانات تعرضًا لمخاطر التزييف العميق، لا سيما مع استهداف القيادات التنفيذية عبر تزييف الأصوات أو مقاطع الفيديو لإصدار أوامر مالية مضللة. كما تمتد الآثار السلبية إلى الأفراد والشخصيات العامة من خلال التشهير والإضرار بالسمعة.

وتشمل الخسائر الاقتصادية المباشرة الأموال المسروقة وتكاليف التقاضي، إلى جانب خسائر غير مباشرة تتعلق بتراجع الثقة، واضطراب الأسواق، وتكاليف إصلاح السمعة، وهو ما يعزز الحاجة إلى أدوات فعالة لنقل وإدارة هذا الخطر.

الفجوة التأمينية القائمة

يشير اتحاد شركات التأمين المصرية إلى أن وثائق التأمين السيبراني التقليدية لا تغطي مخاطر التزييف العميق بشكل صريح في معظم الحالات، كما أن استبعادات الاحتيال وانتحال الصفة تُسهم في اتساع الفجوة التأمينية. ويؤدي تداخل التغطيات بين تأمين الجرائم، والمسؤولية، والسمعة، إلى نزاعات حول نطاق الحماية وحدودها، بما يضعف فعالية التأمين كأداة لإدارة المخاطر الرقمية الحديثة.

مبررات تطوير تأمين متخصص للتزييف العميق

وفقًا لرؤية الاتحاد، فإن التزييف العميق يُعد خطرًا قابلًا للتأمين متى أمكن تحديد سبب الخسارة وتوقيت تحققها، وقياس الأضرار المالية المترتبة عليها. كما أن الطبيعة العرضية للهجوم، وعدم تعمد المؤمن له، وإمكانية تجميع الخطر عبر قطاعات متعددة، تدعم قابلية إدراجه ضمن منتجات تأمينية متخصصة، مع الاستعانة بإعادة التأمين لتوزيع المخاطر الكبرى.

الدور الاستراتيجي للتأمين في إدارة الخطر

لا يهدف التأمين ضد مخاطر التزييف العميق إلى منع وقوع الخطر، بل إلى الحد من آثاره وتعزيز المرونة المالية للمؤسسات، وضمان استمرارية الأعمال في مواجهة الصدمات الرقمية. ويرى الاتحاد أن ربط التغطيات التأمينية بمتطلبات وقائية، مثل تطبيق ضوابط التحقق المتقدمة، وتدريب العاملين، واستخدام أدوات كشف المحتوى المزيف، يسهم في تحسين سلوك إدارة المخاطر وتقليل حجم المطالبات.

اتجاهات مستقبلية

يتوقع اتحاد شركات التأمين المصرية أن يشهد سوق التأمين خلال المرحلة المقبلة زيادة في الطلب على منتجات متخصصة لمواجهة مخاطر التزييف العميق، مع توجه متزايد نحو دمج الحلول التأمينية بالتقنيات الحديثة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الاكتتاب والتسعير وإدارة المطالبات. كما يُتوقع تعزيز دور إعادة التأمين والأسواق العالمية في دعم قدرة الشركات المحلية على تحمل هذا النوع من المخاطر الرقمية المتصاعدة